بين أروقة المكتبات وخلف الأرفُف، وفي ذلك الصمت المقدّس لحضرة الكُتب.. ما يزال الطيف الإبيفانيّ يطوف باحثًا كعادته في الحقّ.. ما يزال حاضر فوق أحرف المخطوطات التي قبّلت أنامله النحيلة يومًا من الأيام.. ما يزال تسكن نظراته المتفحصه بين ثنايا الكتب.. لم يُمحى رحيق أنفاسه التي نفخت الغبار عن الأسفار العتيقة.. ما يزال يُسمع صوت قبلاته الخاشعة على أعتاب مذبح الكنيسة القديمة.. وما زالت العصافير تراه كلّ ليلة بين القلاية والكنيسة.
يا سافك الدم لا يموت من أحياه الصخر والكتاب والقلم والطير والنبت.. لا يموت من أحياه قلوب المُحبين.. يا سافك الدم الخائب أنّه لا يموت من أحياه الكون وذكر العالمين بالليل والنهار.. أيها الخائب وإن طعنت العقل العارف المُسبح بسلاح الغدر، فإنّه لم يتحطم سوى العظم واللحم، وأمّا العقل الإبيفانيّ فما يزال هنا لم يُفارقنا.. صار إفخارستيا بيننا.. تقَسم بين كفوفنا.. وبين أفواهنا.. وبين أرواحنا.. يا خائب! إنّه لا يموت من صار إفخارستيا للعالم كلّه.. من يموت هو من صار جزء أمّا من صار كلّ فهو حيّ إلى أبد الداهرين.

Close Menu
Secured By miniOrange