سُفَرَاءٌ فِي سَلاسِل

سُفَرَاءٌ فِي سَلاسِل

 

بعد أن صالح الله الخليقة لنفسه، وبعد أن كلَّف تلاميذه بخدمة المصالحة، وأرسلهم كسفراء يتكلمون باسمه؛ لم تكن خدمة هؤلاء الرسل، ومن بعدهم خلفاؤهم في الرعاية والكرازة، سهلةً ميسَّرةً، بل كما قال القديس بولس الرسول: «إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ» (رو 8: 36).

فالإرسالية للكرازة والقيام بعمل السفير عن الرب يسوع ليست خدمة رفاهية وتنعيم الجسد، وليست كخدمة السفارة العالمية التي تحكمها المواثيق والمعادهات الدولية التي تؤمِّن حياة السفير وتحفظ له كرامته، فقد أرسلهم الرب يسوع: «مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ» (لو 10: 3)؛ بل وأرسلهم بدون أي مَدد أرضي يسهل لهم طريق الخدمة: «لاَ تَحْمِلُوا كِيساً وَلاَ مِزْوَداً وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ تُسَلِّمُوا عَلَى أَحَدٍ فِي الطَّرِيقِ» (لو 10: 4). لذلك انتهت الحياة الأرضية لأكثر الرسل والأساقفة في الكنيسة الأولى بإكليل الاستشهاد. وكانت مسيرة حياتهم: في «هُزُءٍ وَجَلْدٍ، ثُمَّ فِي قُيُودٍ أَيْضاً وَحَبْسٍ» (عب 11: 36)، أو كما يقول بولس الرسول: «الَّذِي لأَجْلِهِ أَنَا سَفِيرٌ فِي سَلاَسِلَ، لِكَيْ أُجَاهِرَ فِيهِ كَمَا يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّمَ» (أف 6: 20). ولم تكن هذه السلاسل أو القيود قادرةً أن تقيِّد كلمة الله، بل كانت أحياناً سبباً لانتشار كلمة الإنجيل، كما نسمع عن القديس برثلماوس الرسول الذي باع نفسه عبداً لأجل الكرازة في أسيا الصغرى.

لقد قيَّد الآباءُ أنفسَهم بسلاسل إرادية، لتأمين مسيرة الكرازة والخدمة. يقول بولس الرسول: «أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضاً أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ» (في 4: 12). ويقول أيضاً: «وَلَسْنَا نَجْعَلُ عَثْرَةً فِي شَيْءٍ لِئَلاَّ تُلاَمَ الْخِدْمَةُ. بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ، فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ…» (2كو 6: 3-4).

هذا نوع من السلاسل الاختيارية – وما أكثرها – التي وضعها الرسل على أنفسهم من أجل نجاح الكرازة والخدمة، وحسبما عاش الرسل، هكذا تعلم الرهبان من بعدهم، وصار مبدأ القيود الإرادية قاعدة في الحياة الرهبانية، وهي نفسها الوصية التي دعاها الرب يسوع بالباب الضيق، والتي عاش بها الرسل وسلموها لمن بعدهم، إذ نقرأ في كتاب بستان الرهبان (قول 995): [سُئل أحدُ (الرهبان) الشيوخِ: «ما هو البابُ الضيق»؟ قال: «أن يضيِّق الإنسانُ على نفسِه، ويزيلَ إرادتَه كلَّها لأجل حبِّ اللهِ وطاعتِه، بحسبِ ما قيل (عن الرسل): ها نحن قد تركنا كلَّ شيءٍ وتبعناك. لأنه لم يكن لهم غنىً وتركوه، بل تركوا مشيئتَهم»].

 

اضغط هنا للتحميل

 

Facebook
Facebook
YouTube
YouTube
Follow by Email
Google+
https://epiphaniusmacar.com/%D8%B3%D9%8F%D9%81%D9%8E%D8%B1%D9%8E%D8%A7%D8%A1%D9%8C-%D9%81%D9%90%D9%8A-%D8%B3%D9%8E%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%90%D9%84
Twitter
RSS