نِينَوَى الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ

نِينَوَى الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ

عندما ضل أهل نينوى الطريق، وتركوا الله خالقهم، وانغمسوا في الشهوات والشرور، صارت كلمةُ الربِّ إلى يونان النبي قائلة: «قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ عَلَيْهَا، لأَنَّهُ قَدْ صَعِدَ شَرُّهُمْ أَمَامِي» (يونان 1: 2).

في هذه الآية مضادة غريبة، كيف يصف الله نينوى بالمدينة العظيمة، وفي نفس الوقت يهددها بالفناء.

حقيقة كانت نينوى مدينةً عظيمةً من جهة حضارتها ومبانيها وآثارها وثقافتها، ولكن كانت بالأحرى مدينةً عظيمةً لأن سكانها كانوا من صنعة يد الله. لم تكن المدينة تهم الله كثيراً من جهة تكوينها وعمارتها، بل كان ما يهمه الخليقة التي أوجدها لتنعم بكل ما خلقه من أجلها، ولتحمد الله على نعمته على بني آدم: «هَذَا الشَّعْبُ جَبَلْتُهُ لِنَفْسِي. يُحَدِّثُ بِتَسْبِيحِي» (إشعياء 43: 21)؛ «لِمَجْدِي خَلَقْتُهُ وَجَبَلْتُهُ وَصَنَعْتُهُ» (إشعياء 43: 7). كانت نينوى عظيمةً لأن بها أكثر من اثني عشر ربوة من الناس، والله يعلم أنهم إن صرخوا إليه سيلتفت إلى صراخهم، وإن تابوا سيفرح بعودتهم إلى حضنه مرة أخرى.

وقد أثبت أهل نينوى وقتها أنهم محل ثقة الله، فبقدر ما ابتعدوا عن الله في ضلالهم، عادوا إليه بكل قلوبهم، وبقدر ما كانت المدينة عظيمةً في شرِّها الذي صعد إلى علو السماء، هكذا كانت عظيمةً في توبتها التي شملت كل واحد منهم، من كبيرهم إلى صغيرهم، من الملك الجالس على عرش البلاد، إلى أصغر طفل فيها، وحتى إلى البهائم غير العاقلة.

إن توبة أهل نينوى وقبول الله لهذه التوبة، تبين لنا قيمة الإنسان في عيني الله، أي إنسان، من أصحاب الجاه الجلوس على عروشهم، إلى أقل إنسان شأناً في نظرنا، وليس في نظر الله. حقاً، «لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ لَكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ» (2بطرس 3: 9).

[سُئل (راهب) شيخٌ إن كان الله يقبل توبةَ الخطاةِ، فردَّ على سائلِه قائلاً: «أخبرني أيها الحبيب، لو أن ثوبَك تمزَّق، فهل كنتَ ترميه»؟ قال: «لا، ولكني كنتُ أخيِّطُه وألبسه». فقال الشيخ: «إن كنتَ أنت تشفق على ثوبِك الذي لا يحيا ولا يتنفس، فكيف لا يشفق الله على خليقتِهِ التي تحيا وتتنفس»؟ (بستان الرهبان، قول 402)].

إن هذا الشعب التائب في القديم، العائد إلى الله، لم ينته دوره بعد، بل ما يزال أمامه دور لدينونة كلِّ إنسان تصل إليه رسالة التوبة ويرفض قبولها: «رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هَهُنَا»! (متى 12: 41؛ لوقا 11: 32).

اضغط هنا للتحميل

Facebook
Facebook
YouTube
YouTube
Follow by Email
Google+
https://epiphaniusmacar.com/%D9%86%D9%90%D9%8A%D9%86%D9%8E%D9%88%D9%8E%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%92%D9%85%D9%8E%D8%AF%D9%90%D9%8A%D9%86%D9%8E%D8%A9%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D9%92%D8%B9%D9%8E%D8%B8%D9%90%D9%8A%D9%85%D9%8E%D8%A9%D9%8F
Twitter
RSS