قام حقاً

قام حقاً

في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس، يقدم معلمنا بولس الرسول حديثاً طويلاً عن قيامة الرب يسوع، يبدأه بقوله:

«وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ وَقَبِلْتُمُوهُ وَتَقُومُونَ فِيهِ. وَبِهِ أَيْضاً تَخْلُصُونَ إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلاَمٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلاَّ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثاً!. فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ. وَأَنَّهُ دُفِنَ وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ» (1كو 15: 1-4).

من هذه المقدمة نرى القديس بولس يشرح ما هو الإنجيل الذي كرز به لأهل كورنثوس، هذا الإنجيل الذي يقوم عليه خلاصهم، وبدونه ليس لهم خلاص. ويتضح مما كتبه لهم أن محور كرازته كانت موت الرب وقيامته من بين الأموات. وجميعنا نعلم أن موت الرب يسوع  على الصليب كان الدافع من وراءه محبته لنا، وكان هو السبب الرئيسي لتجسده، وهذا ما أعلنه هو شخصياً: «لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ» (يوحنا 3: 16).

لكن المفاجأة في كلام معلمنا بولس الرسول، إصراره على التأكيد على قيامة الرب، وأنه بدون القيامة ليس هناك خلاص. والسؤال: ألم يكن موت الرب على الصليب كافياً لكي ننال الخلاص، وليس هناك داعٍ للقيامة؟

فلنقرأ معاً كلمات معلمنا بولس الرسول:

«وَلَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَسِيحُ يُكْرَزُ بِهِ أَنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَكَيْفَ يَقُولُ قَوْمٌ بَيْنَكُمْ إِنْ لَيْسَ قِيَامَةُ أَمْوَاتٍ؟» (1كورنثوس 15: 12).

واضح من هذا الكلام أنه كان هناك أناس في الكنيسة الأولى، بالرغم من إيمانهم بالرب يسوع، إلا أنهم كانوا يشككون في أمر القيامة. أي بأسلوب آخر: نحن نؤمن بأن الرب يسوع مات عنا على خشبة الصليب، وأنه بموته نلنا جميعاً الخلاص، فما الداعي لأن تبشرونا بقيامته، وما منفعة قيامة الرب لنا، أليس موت الرب كافياً ليغفر لنا الخطيئة؟

وهنا يرد عليهم بولس الرسول، موضحاً خطورة عدم الإيمان بالقيامة من بين الأموات:

 «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قِيَامَةُ أَمْوَاتٍ فَلاَ يَكُونُ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ! وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا، وَبَاطِلٌ أَيْضاً إِيمَانُكُمْ» (1كورنثوس 15: 13-14).

أي إن لم نؤمن بالقيامة من بين الأموات، تكون كرازة الرسل باطلة، وإيماننا أيضاً باطل. ولكي نفهم هذه النقطة، يجب أن نرجع إلى الوراء، إلى بدء الخليقة، إلى قصة سقوط أبوينا الأولين، ونتائج هذا السقوط، لنعرف مدى احتياجنا لقيامة الرب.

لقد صدر الحكم على آدم مسبقاً أنه إن عصى وصية الله، وأكل من شجرة معرفة الخير والشر، فإنه موتاً يموت. ولم يكن الله كاذباً في حكمه، لذلك حُكم على آدم بالطرد من الفردوس، كما حُكم عليه بالموت. لأنه ما هو الموت في مفهومه الروحي؟ أليس هو انفصال الإنسان عن الله مصدر حياته. وهكذا عندما تغرَّب الإنسان عن وجه الله، بسبب الخطيئة، دخل الموت إلى حياة الإنسان، الموت الروحي أولاً، ثم تبعه الموت الجسدي:

«وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً. وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ… بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزاً حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ» (تكوين 2: 16-17؛ 3: 19).

وهذا ما أوضحه لنا معلمنا بولس الرسول، عندما أراد أن يشرح نتائج سقوط أبينا آدم في الخطيئة:

«مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ» (رومية 5: 12).

واضح من هذا الكلام، أن خطيئة أبينا آدم جلبت عليه الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الخليقة. إذاً تكون النتيجة الحتمية لهذا التعليم، أن الإنسان يحتاج إلى القيامة من الموت، الموت الذي دخل إلى طبيعته، وسيطر على حياته، إن كنا نسمي تلك حياة:

«اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعاً فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ» (مزمور 14: 2-3). فإن كان الجميع قد زاغوا، فهل هم أحياء؟ بالطبع يكونون موتى، لأنهم زاغوا بعيداً عن مصدر الحياة، وماذا يحتاج الموتى إلا إلى خلقة جديدة أو حياة جديدة من رب الخليقة، يعود ضخَّها في كيانهم ليعودوا أحياء مرة أخرى:

«وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا… وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ، بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ» (أفسس 2: 1، 5).

هذه هي بركة القيامة العظمى، أننا قمنا مع المسيح بعد أن كنا أمواتاً بالذنوب والخطايا. وعدم الإيمان بقيامة الرب من بين الأموات، معناه أننا ما زلنا في خطيئتنا: «وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ»! (1كو 15: 17). لأننا جميعاً قد متنا في آدم، وجميعنا قد نلنا الحياة مرة أخرى بقيامة المسيح من بين الأموات: «فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ بِإِنْسَانٍ أَيْضاً قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ. لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ» (1كو 15: 21-22).

إذاً، لو كان التجسد لمجرد غفران الخطايا، ما كنا في احتياج لننال الخليقة الجديدة، وكان أقصى ما سنناله أن نأخذ صورة آدم مرة أخرى قبل السقوط. لكن الإنجيل يوضح لنا، أنه بقيامة الرب من بين الأموات سنصير على صورته، لأننا سنصير سماويين، بعد أن كنا ترابيين. اسمع ما يقوله لنا بولس الرسول:

 «هَكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضاً: صَارَ آدَمُ الإِنْسَانُ الأَوَّلُ نَفْساً حَيَّةً وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحاً مُحْيِياً. لَكِنْ لَيْسَ الرُّوحَانِيُّ أَوَّلاً بَلِ الْحَيَوَانِيُّ وَبَعْدَ ذَلِكَ الرُّوحَانِيُّ. الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ. كَمَا هُوَ التُّرَابِيُّ هَكَذَا التُّرَابِيُّونَ أَيْضاً، وَكَمَا هُوَ السَّمَاوِيُّ هَكَذَا السَّمَاوِيُّونَ أَيْضاً. وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ التُّرَابِيِّ سَنَلْبَسُ أَيْضاً صُورَةَ السَّمَاوِيِّ» (1كو 15: 45-49).

أليس من حقنا الآن أن نصرخ مع بولس الرسول، بكلماته التي اختتم بها حديثه عن القيامة: «أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ. وَلَكِنْ شُكْراً لِلَّهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (1كو 15: 55-57).

 

اضغظ هنا للتحميل