الجسد المحيي

الجسد المحيي

يقول القديس القديس كيرلس الكبير في تفسيره لآية إنجيل يوحنا:

(يوحنا 6: 51) «والخبز الذي أنا أعطى هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم».

  [يقول (الرب) أنا أموت لأجل الجميع، لكي أُحيي الجميع بذاتي، وقد صيَّرت جسدي فديةً لأجل الجميع. لأن الموت سوف يموت في موتي، ومعي سوف تقوم طبيعة الإنسان الساقطة. لأنني لهذا صرتُ لأجلكم إنسانًا، أي من نسل إبراهيم، حتى «أشبه إخوتي في كل شئ» (عب 2: 17)].

من التعاليم الهامة للقديس كيرلس الكبير أنه لا يركز على الموت كنتيجة للخطية بحد ذاته، ولكن على إماته الموت، أو إبادة الموت بموت المسيح، وهذا ما ذَكَرَهُ: لأن الموت سوف يموت في موتي. نرى هذا التعليم واضحًا في طقس الكنيسة الشرقية عمومًا، وفي نصوص طقس كنيستنا القبطية، التي تتكرر فيها معنى هذه العبارة كثيراً، خاصة في لحن القيامة: «المسيحُ قام من بين الأموات، بالموت داس الموت، والذين في القبور أنعم لهم بالحياة الأبدية». وفي لحن أومونوجينيس الذي نقوله يوم الجمعة العظيمة، وفي تكريس الميرون وفي رسامة الآباء البطاركة: «بالموت دستَ الموتَ أنت الواحد من الثالوث القدوس». كما نقول في قطع صلاة الساعة التاسعة: « يا من وُلدت من البتول من أجلنا، واحتملت الصلب أيها الصالح، وقتلت الموتَ بموتك وأظهرت القيامة بقيامتك». وفي طرح الساعة السادسة من يوم الجمعة المقدسة: «يا من علَّقت الأرض كلها بكلمةٍ من فيك وصُلبت على خشبة الصليب من أجل خطايانا، وأبطلتَ عزَّ الموت يا سيدنا بصليبك، يا ذا القدرة المنيعة». أو كما نقول في صلاة قسمة القداس الغريغوري: «تألمت ودُفنت وقُمت في اليوم الثالث، وصعدت إلى السماء وجلست عن يمين عظمة الآب، دائساً على الموت، ونزعت سلاح الهاوية، وسحقت الأبواب النحاس، وكسرت الأقفال الحديد، ودعوتَ من جديد آدم المسبي من الفساد، وحررتنا من عبودية إبليس».

ويكمل القديس كيرلس:

[إن المبارك بولس نفسه أيضًا، قد فهم جيدًا ما قاله لنا المسيح الآن، لهذا يقول «فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ، اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ» (عب2 :14). لأنه لم يكن من طريقٍ آخر به يمكن أن يُباد ذاك الذي له قوة الموت، وكذا الموت نفسه، لو لم يبذل المسيح نفسه فديةً لأجلنا، الواحد لأجل الجميع؛ لأنه كان فائقًا عن الجميع. لهذا يقول في المزامير أيضًا، مقدمًا ذاته لأجلنا كذبيحة مقدسة وبلا عيب لله الآب: «ذبيحةً وتقدمةً لم تُرد، لكن هيَّأَتَ لي جسدًا، بمحرقات وذبائح خطية لم تُسرَّ. حينئذ قلت: ها أنذا جئتُ. بدرج الكتاب مكتوب عني. أن أفعل مشيئتك يا إلهي سررتُ» (مز40: 6 – 8 سبع)، لأنه لما كان «دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ» (عب 9: 13) لم يكفِ لتطهير الخطية، ولا كان حتى ذبح البهائم العجماء  كافيًا بالمرة أن يبيد قوة الموت، فإن المسيح نفسه جاء ليحمل حكم (الموت) لأجل الجميع. لأننا «بجلداته شفينا» (إش 53: 5) كما يقول النبي، «الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ» (1بط2: 24). وهو قد صُلِبَ لأجل الجميع وبسبب الجميع، حتى إنه إن «مات الواحد لأجل الجميع» (2كو5: 14) سوف نحيا نحن فيه. لأنه لم يُكن ممكنًا أن «يُمسك من الموت» (أع 2: 24). ولا أن يسود الفساد على ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة].

يوضح هنا القديس كيرلس أنه بسبب أن الكلمة فائق عن الجميع، أي إله الجميع، فكان يجب لكي يبيد الموت، أن يشارك خليقته في الجسد، لكي في هذا الجسد يبيد الموت، لهذا يورد قول بولس الرسول: «فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ، اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ» (عب 2: 14). كما أنه يذكر آية سفر المزامير بحسب الترجمة السبعينية: «ذبيحةً وتقدمةً لم تُرد، لكن هيَّأَتَ لي جسدًا» (مز40: 6 – 8 سبع)، أي أن الله لم يُسرَّ بذبائح العهد القديم، فهيأ جسدًا لله الكلمة، وهو الجسد الذي أخذه من العذراء مريم، ليبذل نفسه ذبيحة عن خلاصنا. وهنا تشرح صلواتنا الليتورجية هذا الحدث بأسلوب غاية البساطة، وذلك في لحن الصليب، وهو النص المأخوذ من ثيئوتوكية يوم الأحد: «هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا، فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجلة». ونظرًا لأن هذا الجسد متحد بالله الكلمة، فلم يكن ممكنًا أن يُمسك من الموت، أي لم يكن ممكنًا أن يبقى في الموت. وبالتالي لا يسود عليه الفساد، لأنه هو الحياة بطبعه.

ثم يكمل القديس كيرلس تفسيره:

[لكن كون المسيح قد بذل «جسده الخاص لأجل حياة العالم» فهذا ما نعرفه من كلماته أيضًا التي يقولها: «أيها الآب القدوس احفظهم»، ومرة أخرى (يقول)  «لأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي» (يو 17: 11، 19). هو يقول هنا إنه يقدس نفسه في هؤلاء، ليس كأنه محتاجٌ للتقديس الذي بتطهير النفس أو بتطهير الروح،  كما نحتاج نحن، ولا كأنه محتاج لشركة الروح القدس، لأن الروح القدس كان فيه بالطبيعة، وهو كان ولا يزال وسيظل دائماً قدوسًا. إنه هنا يقول «أقدس ذاتي في هؤلاء»، لأنني أقدم نفسي وأحضرها كذبيحةٍ بلا عيب لرائحة ذكية، لأن ذاك الذي يُؤتى به إلى المذبح الإلهي يكون مقدسًا، أو يُدعي حسب الناموس مقدسًا].

يوضح القديس كيرلس هنا أن قول الرب يسوع أنه يقدس ذاته، لا يعني أنه محتاج لتقديس، والسبب يقوله ببساطة أن المسئول عن التقديس هو الروح القدس، والروح القدس كائن في الابن منذ الأزل، إذاً للتقديس معنى آخر هنا، وهو أنه يقدس ذاته فينا. كيف؟ هذا ما سيشرحه القديس كيرلس:

[لهذا بذل المسيح جسده الشخصي لحياة الجميع، ومرة أخري يجعل الحياة تسكن فينا بواسطة جسده، لكن كيف، هذا ما سأحاول قدر طاقتي أن أشرحه.

لأنه منذ أن سكن كلمة الله المعطي الحياة في الجسد، حوله إلى صلاحه الذاتي الخاص به، أي الحياة، وباتحاده بالجسد غير المنطوق به، أي مجيئه الكامل في الجسد، قد جعله معطيًا للحياة، كما هو ذاته بالطبيعة واهب الحياة. لهذا فإن جسد المسيح يعطي حياة لكل من يشترك فيه. لأنه يطرد الموت، حين يأتي ويدخل إلى أُناس مائتين، ويزيل الفساد، إذ أن جسده ممتلئ بالكامل بالكلمة الذي يبيد الفساد].

هنا يقرر القديس كيرلس قاعدة تبادل الصفات بين اللاهوت والناسوت، فباتحاد اللاهوت الكامل بالناسوت، أعطى للناسوت من صفات اللاهوت، أي جعل الجسدَ معطيًا الحياة. ثم يفسر القديس كيرلس كيف يصير الجسد معطيًا الحياة، يقول إنه عندما يدخل هذا الجسد في أي إنسان، أي عندما نتناول من جسد الكلمة، فإن هذا الجسد يطرد منا الموت والفساد، لأنه جسد الكلمة، وأنه، حسب تعبير القديس كيرلس: ممتليء بالكامل بالكلمة. أي كما يقول  القديس بولس الرسول: «فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيّاً» (كو 2: 9). أي أننا نتناول الجسد الممتليء بالكامل بالكلمة، وهذا هو سبب قوة الجسد الإلهي الذي نتناوله كل يوم من على المذبح.

الرب ينير أذهاننا لنفهم قوة هذا السر، ويعطينا أن نكون مستعدين دائمًا للشركة والاتحاد به، له كل المجد في كنيسته، آمين.

 

اضغظ هنا للتحميل